
تعليم مهارة التحية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder) والاضطرابات التطورية الأخرى يعتبر من الخطوات الأساسية في بناء مهارات التواصل الاجتماعي لديهم. فمهارة التحية ليست فقط سلوكًا بسيطًا يُستخدم عند اللقاء، بل هي نقطة انطلاق لبناء علاقات اجتماعية ناجحة، وفهم قواعد التفاعل البشري، واكتساب مهارات تواصل أكثر تعقيدًا.
قال كوبر وهيرون وهيورد (Cooper, Heron & Heward, 2007) في كتابهم “تحليل السلوك التطبيقي”:
“تُعتبر مهارات التحية البوابة الأساسية لبناء السلوك الاجتماعي، حيث تمهد الطريق للطفل ليصبح مشاركًا فاعلًا في محيطه الاجتماعي.”
أهمية مهارة التحية في التطور الاجتماعي والسلوكي
التحية هي أول خطوة لبناء التفاعل الاجتماعي. للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، قد تكون مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي تحديًا كبيرًا، مما يجعل تعلم التحية مهارة مهمة جدًا لتعزيز اندماجهم في المجتمع.
على سبيل المثال، عندما يبدأ الطفل بتحية شخص ما بطريقة مناسبة، فهذا يشير إلى أنه:
بدأ يفهم قواعد التفاعل الاجتماعي.
قادر على التعرف على الأشخاص من حوله والتواصل معهم.
يظهر استعدادًا للتعلم والتكيف مع البيئة.
كما أظهرت الدراسات أن تعلم مهارات التحية يعزز الدافعية الاجتماعية (social motivation)، والتي بدورها تدعم تعلم مهارات اجتماعية أخرى مثل المشاركة في اللعب، الحوار، وتكوين الصداقات (Koegel & Koegel, 2006).
متى نبدأ بتعليم التحية؟
قبل البدء بتعليم التحية، يجب التأكد من أن الطفل قد اكتسب بعض المهارات الأساسية التي تسهل عليه فهم وتطبيق مهارات التحية، منها:
التقليد (Imitation): القدرة على تقليد حركات أو أصوات الآخرين، والتي تعدّ من الركائز الأساسية في التعلم الاجتماعي.
الانتباه المشترك (Joint Attention): وهي القدرة على مشاركة الانتباه مع شخص آخر تجاه شيء ما، وهي مهارة حرجة في التواصل.
الانتباه لنداء الاسم: أن يستجيب الطفل عند مناداته باسمه، مما يشير إلى وعيه بالبيئة المحيطة.
المهارات الاجتماعية الأساسية: كالتواصل بالعين، الابتسامة، والتفاعل البسيط.
الحوار البسيط: القدرة على التواصل بكلمات أو إشارات بسيطة.
هذه المهارات تجهز الطفل لفهم مواقف التحية وتنفيذها بنجاح.
طرق وأساليب تعليم مهارة التحية
1. اختيار طريقة التواصل المناسبة للطفل
تختلف طرق تعلم الأطفال حسب قدراتهم، فقد يحتاج بعض الأطفال إلى وسائل بصرية أو تكنولوجية، بينما يمكن لآخرين الاعتماد على التواصل اللفظي.
الصور البصرية (Visual Supports):
تساعد الصور الطفل على فهم الموقف المتوقع وكيفية التصرف فيه، مثل وضع صور تحية على باب المنزل أو مدخل الفصل الدراسي.أجهزة التواصل المعزز والبديل (AAC):
تستخدم للأطفال غير الناطقين أو الذين يعانون من صعوبة في النطق، مثل أجهزة لوحية تعرض رموزًا للتحية.الإيماءات اليدوية:
مثل التلويح أو المصافحة، وهي أشكال تحية بديلة تناسب قدرات الطفل.
في دراسة أجريت من قبل Hanley et al. (2014)، أظهرت أن استخدام الصور البصرية يدعم التعلم ويسهل تعميم مهارات التحية بين البيئات المختلفة.
2. بدء التدريب في بيئة مألوفة
يُفضل بداية تعليم مهارات التحية مع أفراد العائلة أو الأشخاص الذين يعرفهم الطفل جيدًا، لأن البيئة المألوفة تقلل من التوتر والارتباك، مما يسهل التعلم.
مثال: تدريب الطفل على قول “مرحبًا” أو التلويح عندما يرى والديه أو أشقاءه في المنزل.
3. مراعاة نوع التحية المناسب لعمر الطفل
ليست كل أشكال التحية مناسبة لكل الأعمار أو لكل طفل. مثلاً:
الأطفال الصغار قد يكون التلويح هو الأنسب.
الأطفال الأكبر سنًا قد يتعلمون المصافحة أو ضربة القبضة (Fist bump).
في بعض الثقافات، قد تكون التحية اللفظية أكثر أهمية.
4. دمج مهارة التحية في الروتين اليومي
لزيادة فرص التعلم، يُفضل أن تكون التحية جزءًا من الروتين اليومي، مثل قول “صباح الخير” عند الاستيقاظ أو “مع السلامة” عند الخروج.
5. استخدام النمذجة بالفيديو
عرض فيديوهات تُظهر أشخاصًا يقومون بالتحية يساعد الطفل على التعلم من خلال الملاحظة، خاصة للأطفال الذين يستجيبون جيدًا للتعليم المرئي.
6. القصص الاجتماعية (Social Stories)
القصص الاجتماعية هي أداة فعالة لشرح متى ولماذا وكيف نحيي الآخرين، مما يساعد الطفل على فهم المواقف الاجتماعية.
7. تعزيز كل محاولة ناجحة
يجب أن يتم تعزيز كل محاولة ناجحة للتحية سواء كانت بالكلام، التلويح، أو أي شكل آخر، وذلك باستخدام المعززات المفضلة لدى الطفل (مثل مدح لفظي، ألعاب، أو وجبات خفيفة).
8. التدرج في التخفيف من المعززات
مع مرور الوقت، تقلل من كمية ومدى المعززات تدريجيًا لتعزيز الاستجابة المستقلة وتحفيز الدافع الاجتماعي الطبيعي.
9. تعميم المهارة في بيئات مختلفة
بعد إتقان الطفل التحية في بيئة واحدة، يجب تعميم المهارة مع أشخاص جدد وفي أماكن مختلفة لتعزيز ثبات السلوك.
10. تعليم التكيف مع أنواع التحية المختلفة
تعليم الطفل أن هناك تحيات رسمية وغير رسمية، وأنه يختلف حسب الموقف أو الشخص.
مثال: قول “السلام عليكم” في المدرسة أو مع الأقارب، و”هاي” مع الأصدقاء.
أمثلة واقعية
مثال 1:
طفل يبلغ من العمر 5 سنوات اضطراب طيف التوحد، تم تدريبه على التلويح كتحية مع والديه في المنزل. بعد أسبوعين، بدأ الطفل يستخدم التلويح لتحية المعالجين في مركز العلاج.مثال 2:
طفلة غير ناطقة تستخدم جهاز تواصل معزز، تعلمت استخدام زر “مرحبًا” على الجهاز لتحية أصدقاءها في الروضة، مما أدى إلى زيادة تفاعلها الاجتماعي.
“مهارات التحية تمثل اللبنة الأساسية في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية. عندما يتم تعلمها بشكل صحيح، فإنها تفتح الباب أمام تعلم مهارات اجتماعية أكثر تعقيدًا.”
— (Cooper, Heron & Heward, 2007)
“إن تعزيز مهارات التفاعل الاجتماعي بما في ذلك التحية يساهم بشكل كبير في تحسين جودة حياة الأطفال المصابين بالتوحد.”
— (Koegel & Koegel, 2006)
تعليم مهارة التحية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والاضطرابات التطورية هو أساس لتطوير مهارات التواصل الاجتماعي وتعزيز الدافعية للتفاعل مع الآخرين. بالتركيز على المهارات الأساسية، واستخدام استراتيجيات متنوعة مثل النمذجة، الصور البصرية، والقصص الاجتماعية، يمكن بناء أساس قوي يمكّن الطفل من الانخراط في المجتمع بشكل أفضل.
Cooper, J. O., Heron, T. E., & Heward, W. L. (2007). Applied Behavior Analysis (2nd Ed.). Pearson.
Koegel, R. L., & Koegel, L. K. (2006). Pivotal Response Treatments for Autism. Paul H. Brookes Publishing.
Hanley, G. P., et al. (2014). Visual supports for children with autism spectrum disorders. Journal of Autism and Developmental Disorders, 44(9), 2213-2227.
Autism Speaks. https://www.autismspeaks.org/
The Autism Helper. https://theautismhelper.com/
